الجنيد البغدادي

85

السر في انفاس الصوفية

ولكن بغداد ، في القرن الثالث الهجري ، على الرغم من قوتها الاقتصادية ، عانت من ألوان متعددة من الفساد الاقتصادي ، خاصة في النصف الأخير من هذا القرن مع بداية العصر العباسي الثاني ، وقد تمثلت في انتشار الرشوة والاختلاس في أهل الدواوين . ووسط هذه الهزات والوفرة وشبهات الحلال والحرام التي كان يدقق فيها كبار العلماء والصالحين من أهل بغداد ، من أمثال : بشر بن الحارث ، والإمام السرى السقطي ، والإمام الجليل أحمد بن حنبل ، احتفظ الجنيد بدينه ، وبعشقه لدوام التوجه إلى الحق ، في هذا المعترك الاقتصادي ، وعلى وجه الخصوص في معترك التجارة الصاخب . يقول تلميذه أبو جعفر الفرغاني : كنا عند الجنيد : فجرى ذكر ناس يجلسون في المساجد يتشبهون بالصوفية ، ويقصرون ، عما يجب عليهم من حق الجلوس ، يعيبون من يدخل السوق ، فقال الجنيد : كم ممن هو في السوق حكمه أن يدخل المسجد ، فيأخذ بإذن من هو فيه فيخرجه ويجلسه مكانه ، وإني لأعرف رجلا يدخل السوق ، ورده في كل يوم ثلاثمائة ركعة ، وثلاثون ألف تسبيحة ، قال : فسبق إلى وهمى : أنه يعنى نفسه » .